سباقات الماراثون: تاريخها وأشهر السباقات العالمية

تُعتبر سباقات الماراثون (Marathon Races) الجوهرة التاجية لمسابقات التحمل في عالم ألعاب القوى والرياضة الإنسانية كافة. بمسافته الرسمية البالغة 42.195 كيلومتراً (26 ميلاً و385 ياردة)، يمثل الماراثون التحدي الأسمى الذي يختبر الحدود الفسيولوجية، والنفسية، والإرادة الصلبة للعدائين؛ بدءاً من الهواة الذين يسعون لإنهاء السباق، وصولاً إلى المحترفين الذين يتنافسون على تحطيم الأرقام القياسية الكونية. تحول الماراثون من أسطورة إغريقية قديمة إلى ظاهرة رياضية وسياحية وثقافية تجذب ملايين المشاركين في كبرى عواصم العالم سنوياً.

1. أسطورة الجذور التاريخية: من سهول ماراثون إلى أثينا

ترجع تسمية الماراثون إلى الأسطورة اليونانية القديمة المنحدرة من معركة ماراثون (Battle of Marathon) عام 490 قبل الميلاد.

وفقاً للرواية التاريخية، أُرسل الجندي والعداء اليوناني فيديبيديس (Pheidippides) ليركض دون توقف من سهل ماراثون إلى مدينة أثينا ليزف نبأ انتصار اليونانيين على الفرس.

قطع فيديبيديس مسافة تقارب 40 كيلومتراً وسط التضاريس القاسية، وحين وصل إلى أثينا هتف بمقولته الشهيرة “Nenikēkamen” (أبشروا لقد انتصرنا)، ثم سقط ميتاً من شدة الإجهاد.

تخليداً لهذه الأسطورة، اقترح الباحث الفرنسي ميشيل بريال إدراج سباق الماراثون ضمن منافسات أول دورة أولمبية حديثة في أثينا عام 1896، وفاز بذلك السباق التاريخي العداء اليوناني سبيريدون لويس، لتولد بذلك واحدة من أعرق الرياضات الحديثة.

معلومة تاريخية: في أولمبياد أثينا 1896، بلغت مسافة سباق الماراثون حوالي 40 كيلومتراً فقط، وهي المسافة التقديرية بين سهول ماراثون والاستاد الأولمبي في أثينا، ولم تكن المسافة محددة بدقة سانتيمترية كما هي اليوم!

2. اعتماد المسافة الرسمية 42.195 كم وسر الزيادة الملكية

تغيرت مسافة الماراثون في الدورات الأولمبية الأولى بين 40 كم و42 كم، حتى جاءت أولمبياد لندن عام 1908 لتحدد المسافة الدقيقة المعتمة حتى يومنا هذا:

  • نقطة البداية: صُمم خط البداية تحت نوافذ قلعة ويندسور بناءً على طلب العائلة الملكية البريطانية ليشاهد الملك إدوارد السابع والأميرة فيكتوريا انطلاق العدائين.
  • نقطة النهاية: وُضع خط النهاية مباشرة أمام المقصورة الملكية في استاد “وايت سيتي” في لندن.
  • القياس النهائي: بلغت المسافة بين النقطتين بالضبط 42.195 كيلومتراً (26 ميلاً و385 ياردة).

وفي عام 1921، اعتمد الاتحاد الدولي لألعاب القوى (World Athletics) رسمياً هذه المسافة لتكون القياس القياسي المعتمد لجميع سباقات الماراثون في العالم.

3. التحدي الفسيولوجي: ماذا يحدث لجسم العداء أثناء الماراثون؟

يفرض الجري المتواصل لمسافة 42.195 كم ضغوطاً فسيولوجية وأيضية هائلة على جسم الإنسان، تتضمن آليات حيوية معقدة:

1. الجليكوجين واستنزاف الطاقة: يخزن الجسم السكر في العضلات والكبد على شكل جليكوجين تكفي لطاقة جائعة تتراوح بين 30 إلى 32 كيلومتراً من الجري.

2. الجدار الزجاجي (Hitting the Wall): بين الكيلومتر 30 و35، ينفد مخزون الجليكوجين كلياً، وينتقل الجسم قسراً للاعتماد على حرق الدهون القتيمة لتوليد الطاقة، مما يسبب إرهاقاً شديداً وانخفاضاً حاداً في السرعة يُعرف رياضياً بـ “اصطدام بالجدار”.

3. فقدان السوائل والحرارة: يفقد العداء ما بين 2 إلى 5 لترات من السوائل عبر التعرق، مما يوجب شرب السوائل المحملة بالصوديوم والكهرليات لتفادي الجفاف والتشنجات العضلية.

تشبيه ذكي: تخيل أن جسم عداء الماراثون يعمل كـ “سيارة هجينة”؛ تعتمد أولاً على الوقود السريع (الجليكوجين)، حتى إذا فرغ الخزان عند الكيلومتر 32 تحولت لـ وقود الديزل الثقيل (حرق الدهون)، مما يفرض تكتيكاً دقيقاً للتغذية الشراعية أثناء السباق!

4. سباقات الماراثون العالمية الكبرى (Abbott World Marathon Majors)

تُصنف بطولات الماراثون العالمية الكبرى (WMM) كأعرق وأغلى 6 سباقات ماراثون على مستوى العالم؛ وتمنح المشارك الذي يكملها جميعاً الميدالية السداسية الشهيرة (Six Star Finisher):

  1. ماراثون بوسطن (Boston Marathon): أقدم ماراثون سنوي في العالم (تأسس عام 1897)، ويشتهر بمساره التلوي الصعب وشرط التأهل الزمني الصارم (BQ).
  2. ماراثون لندن (London Marathon): يمر عبر أشهر معالم العاصمة البريطانية، ويُعد أكبر حدث رياضي خيري لجمع التبرعات على كوكب الأرض.
  3. ماراثون برلين (Berlin Marathon): أسرع مسار ماراثون في العالم بفضل مساره المسطح تماماً وتصميمه الخالي من الانعطافات الحادة، وفيه حُطمت معظم الأرقام القياسية العالمية.
  4. ماراثون شيكاغو (Chicago Marathon): يتميز بمساراته العريضة والمفتوحة والأجواء الجماهيرية الغفيرة وسط ناطحات السحاب.
  5. ماراثون نيويورك (New York City Marathon): أكبر ماراثون في العالم من حيث عدد المشاركين (يتجاوز 50 ألف عداء)، ويعبر الجسور الخمسة الشهيرة لمدينة نيويورك.
  6. ماراثون طوكيو (Tokyo Marathon): الماراثون الآسيوي الوحيد ضمن السلسلة الكبرى، ويتميز بالترتيب التنظيمي الفائق والدمج بين الثقافة اليابانية والرياضة.

5. مقارنة بين أشهر سباقات الماراثون حول العالم

اسم الماراثون سنة التأسيس طبيعة المسار والتضاريس أبرز ما يميزه
ماراثون برلين 1974 مستوٍ تماماً وأملس أسرع مسار في العالم وتحطيم الأرقام القياسية
ماراثون بوسطن 1897 تموجات وتلال صعبة (Heartbreak Hill) أقدم ماراثون سنوي واشتراط أرقام التأهل
ماراثون لندن 1981 شبه مستوٍ حول معالم المدينة الحدث الخيري الأول والتشجيع الجماهيري
ماراثون نيويورك 1970 جسور ومرتفعات منخفضة الأكبر عدداً والأكثر تنوعاً جنسياً
ماراثون دبي / الرياض حديث نسبياً مستوٍ وسريع جوائز مالية ضخمة وأجواء استوائية/مغلقة

6. أسطورة كسر حاجز الساعتين والأرقام القياسية العالمية

ظل كسر حاجز الساعتين في الماراثون يمثل “الحاجز المستحيل” في الفسيولوجيا الرياضية، حتى نجح العداء الكيني الأسطوري إليود كيبتشوجي (Eliud Kipchoge) في فيينا عام 2019 بقطع المسافة في زمن 1:59:40 ساعة ضمن تحدي (INEOS 1:59) الترويجي (غير المعتمد رسمياً لعدم وجود منافسة مفتوحة).

أما على صعيد الأرقام القياسية الرسمية المعتمدة في المسابقات المفتوحة، فيحمل العداء الكيني الراحل كيلفن كيبتوم (Kelvin Kiptum) الرقم القياسي العالمي للرجال بزمن خيالي قدره 2:00:35 ساعة (حققه في ماراثون شيكاغو 2023).

وعلى صعيد السيدات، تمتلك العداءة الإثيوبية تيجست أسيفا (Tigst Assefa) الرقم القياسي العالمي بزمن قدره 2:11:53 ساعة (حقوقته في ماراثون برلين 2023).

7. الأسئلة الشائعة حول سباقات الماراثون

س1: كم تستغرق فترة التحضير والتدريب لسباق الماراثون؟

ج: يحتاج العداء المبتدئ أو المتوسط ما بين 16 إلى 20 أسبوعاً من التدريب المنتظم للوصول للحجم الأسبوعي المطلوب وإكمال المسافة بأمان.

س2: ما هو معدل السرعة الذي يركض به المحترفون مقارنة بالهواة؟

ج: يركض العداء المحترف بمتوسط سرعة 21 كم/ساعة (بمعدل 2:50 دقيقة لكل كم)، بينما ينهي العداء الهواة السباق بمتوسط زمن بين 3:30 إلى 4:30 ساعات.

س3: ما الفرق بين الماراثون ونصف الماراثون؟

ج: الماراثون يمتد لمسافة 42.195 كم، بينما يمتد نصف الماراثون (Half Marathon) لمسافة 21.0975 كم.

س4: ما هي الميدالية السداسية في الماراثون؟

ج: هي ميدالية خاصة تمنحها منظمة Abbott WMM لكل عداء يكمل سباقات الماراثون الكبرى الستة (بوسطن، لندن، برلين، شيكاغو، نيويورك، طوكيو).

8. الخاتمة: ملحمة الإرادة والتغلب على الذات

تظل سباقات الماراثون أكثر من مجرد منافسة رياضية لحصد الميداليات؛ إنها ملحمة إنسانية تتجلى فيها أسمى معاني الشغف، الانضباط، والانتصار على التحديات الذاتية.

سواء كنت تسعى للانضمام لملايين العدائين على خطوط البداية حول العالم أو متابعة صراع الأساطير لكسر الأرقام، يظل الماراثون الرمز الأبدي لقياس طاقة الروح والجسد البشري.

Scroll to Top